بسم الله الرحمن الرحيم
متاعا لكم ولانعامكم
المتاع هو ما يُتبلغ به وينفذ، له نهاية، فلما ذكر الله تعالى المرعى الذي يتضمن ما يأكله الإنسان من باب تفضيله على الدواب، ليتبلغ به إلى ربه، ويذكر أن الإمام أحمد على لسان إبنه أن السلطان بعث إليه بلباس في وقت كان فيه بحاجة ماسة لكنه لم يقبل، فلما مضى على ذلك أشهر قال لإبنه أتذكر ما أراد أن يعطينا إياه السلطان، قال نعم، قال لو قبلناه اتراه يبقى أم يفنى، قال يفنى، قال انتهى، وطبعاً كانت له أسباب في عدم قبول هذا المتاع من السلطان.
يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع والآخرة هي دار القرار.
البلغة هي الوسيلة، المتاع هو ما يُتبلغ به العبد لإرضاء ربه، الزوجة متاع، الولد الصالح متاع، المركب متاع، كل ما يجعل في مرضاة الله هو متاع، أما في الآخرة فلا يوجد متاع إنما هو نعيم دائم وبقاء سرمدي، كما قال الفضيل بن عياض "لو كانت الدنيا ذهب يفنى وكانت الآخرة خزف يبقى لآثرت الخزف على الذهب"

فإذا جاءت الطامة الكبرى، يوم يتذكر الإنسان ما سعى

يتذكر تشير بأن العبد يوم القيامة ينسى، ويُذكّر بما اقترفه في الحياة الدنيا، هذه الآيات بظاهرها يراد بها السيئات، لأنها مقام ترهيب مع إنها تتضمن الحسنات، يتذكر الإنسان ما سعى أما لشدة هول الموقف أو لكثرة ذنوبه، احد الصالحين كان يحفظ القرآن، وبعد مدة أُنسي شيء منه فقال هذا لذنب اقترفته قبل 20 سنة، علّق على ذلك الذهبي "علم الناس، قلّت ذنوب القوم فعرفوا من أين أُتوا، وكثرت ذنوبنا ولا نعلم من أين نؤتى" فلم نعرف بأي ذنب نعاقب.
لشدة الهول في هذا الموقف، هنالك من يتمنى أنه لو لم يؤتى كتابه، أو أنه يؤتى كتابه بشماله فيجعله وراء ظهره.

وبرّزت الجحيم لمن يرى

من أوجه المبالغة، أي أظهرت وبانت لكل من من شأنه أن يرى، أما الكافر فتبرّز له الجحيم بروز تغيّظ وغضب، امتثال لله عز وجل ليلقى بها أصحابها

أما بروزها لأصحاب اليمين، بروز ليتذكروا منة الله عز وجل عليهم، بما ابدلهم الله في الجنة.
وبروز عام ليعرف الجميع ما هو عقاب الله، فيقول المؤمن سلم يا رب سلم، أما الكافر فيعرف أنه مواقعها.
هنا في سورة النازعات برّزت الجحيم لكل رائ، أما في سورة الشعراء فبرّزت للغاوين، ولحل هذا الإشكال نرجع إلى سورة التكاثر "لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم".
الصحابة عندما قرأوا هذه الآيات قالوا يا رسول الله إنهما الاسودان، التمر والماء، فقال إذن من سيكون.
وإذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور، تكاد تميّز من الغيظ، الشهيق هو شهيق وزفير جهنم يسمع لشدته، أما تميز من الغيظ، التميز هو التفرق والتقطع، أي أنها تكاد تتقطع من الغيظ.

فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى

الطائفة الأولى ممن رأى جهنم بارزة، كل من طغى وخالف أوامر الله، وفضّل الحياة الدنيا على أوامر الله، ولسان حاله يقول سمعنا وعصينا، قدّم الحياة الدنيا على الآخرة، استبعد الموت وجعل كل شأنه في الدنيا، لا يبالي لأوامر الله، فالجحيم مأواه وقراره.
وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا، جماهير المفسرين يقولون ان نصيبك من الدنيا هو من الطاعة والحلال، فجميعنا نسعى في هذه الدنيا لنحصل نصيبنا منها من أموال، أما النصيب المذكور هنا فهي الطاعات التي يرضاها الله.
أما الطائفة الثانية ممن رأوا جهنم بارزة "فأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى" مقام ربه اي القيام بين يدي الله عز وجل يوم القيامة، لن يكون معك أحد، هذا يفرح لأنك ستكون مستوراً يومئذ بكل ذنوبك التي اقترفتها، ولكنه محزن لأن الله هو من أتطلع على هذه الذنوب وهو من سيحاسبك عليها، نهى النفس عن الهوى، أي الملذات والشهوات المحرمة، فخوفها بطاعة الله عز وجل وذكرها بعقابه.
الهوى هو الذي يميل بصاحبه عن الحق أو إليه.
خاف مقام ربه اي خاف من الخالق، وركن هذا الحب، فالعبد يطير إلى ربه بجناحين، الرجاء والخوف، فإن إنكسر أحدهما ضل وهلك، وإذا فارق الخوف قلب المؤمن، كان خلل في إيمانه

وأخوف الناس لله عز وجل هو الرسول عليه الصلاة والسلام وقد ثبت هذا في حديث أن النبي إذا قام بالناس إماماً، سمع لقرائته كأزيز المنجل من البكاء، ما كان يبكي ويغلب هذا على قراءته، وهذا ما عابت به عائشة وحفصة رضي الله عنهن أبا بكر الصديق عندما قال الرسول وقت مرضه، مروا أبا بكر أن يصلي في الناس، فقالتا له مر عمر بن الخطاب فإن ابا بكر رجل أسيف، كثير البكاء في الصلاة، وهذا ليس عيباً في أبا بكر وإنما مكرمة وقوة في قلبه.
وتقول عائشة إذا تخيلت السماء فبان هذا في وجه الرسول عليه الصلاة والسلام، وإذا أمطرت سري عنه، فسألته عن هذا وقالت له إن الناس إذا رأوا الغيم استبشروا به المطر وأراك فاعل هذا، فقال وما يؤمني، قد رآها وقالوا هذا عارض ممطرنا، فكان العذاب، القوم يقصد بقوم عاد.
وفي حديث أسماء عن الكسوف فعندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الكسوف أخذ درعاً من ثياب نسائه حتى ادركوه برداء وقالت قام النبي صلى الله عليه وسلم وقد أصابهم الغشي والاغماء من خوفه من الله.

الأسباب التي تجعل المؤمن يخاف الله،
1.تلاوة كتاب الله وتدبر آياته "قل آمنوا به أو لا تؤمنوا"
2. الخوف من خذلان الذنوب
قال إبن مسعود رضي الله عنه أن المؤمن ليرى ذنوبه كأنه قاعد عند جبل يوشك أن يقع عليه، أما الفاجر ليرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه وقال له هكذا (هشه)
وفي الحديث القدسي، "لا اجمع على عبدي خوفين ولا امنين، من خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، ومن أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

11 − 1 =